بقلم/ د. عبدالعزيز بن محمد العواد – دكتوراه في ريادة الأعمال والابتكار – نائب رئيس اللجنة الوطنية للتدريب والتعليم الأهلي بمجلس الغرف السعودية – العضو المنتدب في أكاديمية الجزيرة العالمية للتدريب 

شهد العالم في القرن الحالي تطوراً نوعياً وكمياً غير مسبوق في شتى المجالات التقنية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية؛ أثرت بل وغيرت صميم الهياكل التدريبية والمؤسسات التعليمية، ومنظومة البناء الفكري والثقافي للمجتمعات، وبخاصة ما يتعلق بطرق التدريس وأساليب التدريب المهنية والوظيفية.

مما لا شك فيه أن الثورة الهائلة في تقنية المعلومات ووسائل الاتصال والبنى التحتية التقنية، حوَّلت عالم اليوم إلى قرية إلكترونية تتلاشى فيها الحواجز الزمنية والمكانية؛ فقربت المسافات وأزالت الحواجز السياسية والثقافية المعاصرة، فخلال العقد الماضي كان هناك ثورة ضخمة في تطبيقات الحاسب الآلي وزيادة غير مسبوقة في انتشار خدمات الشبكة العنكبوتية، فعدد مستخدميها في العالم لم يتجاوز 1% عام 1995م، ليرتفع عام 2000م لـ7%، ويصل بنهاية عام 2020م لأكثر من 62% من سكان الكوكب.

ومع ظهور جائحة (كوفيد-19) نهاية عام 2019م، والتي اجتاحت العالم، وألقت بظلالها الثقيلة على شتى مناحي الحياة، عانت المؤسسات والشركات في شتى بقاع العالم من الإغلاق التام لمدد متفاوتة وصلت في بعض الدول إلى ما يقرب من 3 أشهر، مما أثر سلباً على أداء الموظفين في الحكومات والشركات، ومن هنا ازدادت الحاجة إلى اتباع منحى جديد وإيجاد البدائل والسبل التي من شأنها المحافظة على استمرار التدريب، ورفع مستوى العاملين وتنمية قدراتهم؛ لتلبية متطلبات السوق، فلجأت الشركات والحكومات إلى التدريب الافتراضي كحل بديل للتدريب التقليدي، وهنا نحن بحاجة إلى التعرض لمفهوم التدريب الافتراضي بمزيد من الفهم والتمحيص.

يُقصد بالتدريب الافتراضي مجموعة العمليات المرتبطة بنقل وتوصيل مختلف أنواع المعرفة والعلوم إلى المتدربين في مختلف أنحاء العالم باستخدام تقنية المعلومات، يشمل ذلك الشبكة العنكبوتية والأقراص المدمجة وعقد المؤتمرات عن بُعد، ويُستخدم التدريب عن بُعد في مجالات وأنشطة عديدة؛ منها على سبيل المثال: إدارة الأعمال، واللغات، والمحاسبة والإدارة المالية، والإرشاد النفسي والأسري، والبورصة والأوراق المالية، والعديد من المجالات الأخرى.

وقد تضاعف عدد الشركات التي تستخدم التدريب الافتراضي لتطوير موظفيها خلال الـ15 عاماً الأخيرة بنسبة 900%، وذلك بحسب إحصاءات صادرة من معهد الإدارة العامة بالمملكة العربية السعودية، كما أسهم التدريب عن بُعد بحسب المعهد في رفع أرباح بعض الشركات التي طبقته بنسبة 42%، كما بلغ حجم الاستثمار في مجال التدريب عن بُعد في العالم لعام 2020م، ما يقرب من 37.5 مليار دولار.

وقد يكون التدريب عن بُعد متزامناً؛ حيث يوجد المدرب وجميع المتدربين في نفس الوقت، ويتواصلون مباشرةً مع بعضهم، وقد يكون غير متزامن، حيث تكون المحتويات العلمية مسجلة ولا يشترط وجود المدرب والمتلقي في نفس المكان والزمان. والنوع الثالث هو الهجين الذي يدمج بين التدريب عن بعد والتدريب التقليدي.

ويتميز التدريب الافتراضي بعدد كبير من المزايا؛ أولاً المرونة، فالعديد من برامج التدريب عن بُعد تتيح للمتدرب خيار المشاركة، بحسب الرغبة واختيار التوقيت المناسب للمتدرب.

وثانياً الملاءمة مع أساليب العمل الحديث المعتمد على التقنية بشكل كبير، وإمكانية العمل والتدرب في نفس الوقت، فوجود المتدربين في أماكن عملهم يعمل على ضمان عدم تعطل الإنتاجية، هذا بالإضافة إلى تمكينهم من ممارسة ما تعلموه بشكل آني.

ثالث المزايا هي المناسبة، فالمتدربون قادرون على ربط التدريب بوظائفهم والبقاء في بيئة العمل واستثمار الوقت من خلال جدولة أوقات العمل والدراسة، ودمج المهارات التدريبية في الأنشطة اليومية، وحل مشكلة تدريب الأفراد المتباعدين جغرافياً من خلال تقليل المتاعب المتعلقة بالسفر وتقليل استهلاك الوقود، فالتدريب الافتراضي فرصة لتقليل الازدحام المروري، وتقليل الانبعاثات الكربونية، فهو صديق للبيئة.

رابع المزايا هي الفاعلية، فالكثير من البحوث التي أجريت على نظام التدريب عن بُعد أثبتت أنه يوازي أو يفوق في التأثير والفاعلية نظام التدريب التقليدي، فيمكن من خلال نظام التدريب عن بُعد مراقبة المتدربين في كل شيء سواء من حيث التركيز وتحصيل المعلومات أو المواظبة على تأدية النشاطات المختلفة ويمكن تصميم اختبارات لدى الجهات لتقييم المتدرب نهاية كل دورة تدريبية، مما يعود بفاعلية أكبر على المتدربين.

وتشير الإحصاءات إلى أن نحو 25% من الموظفين يتركون وظائفهم؛ بسبب قلة فرص التدريب ومحدودية التعلم، والذي يُمكِّنهم من أداء أعمالهم بشكل صحيح، فضلاً عن سوء نوعية التدريب في بعض المؤسسات وسطحيته، وبحسب دراسة قامت بها شركة “Right Management” عام 2018م على نحو 30 ألف شخص من 15 بلداً من مختلف أنحاء العالم، توضح أن الأشخاص المحفزين يعتبرون أكثر إنتاجية بنسبة 50%، ويميلون إلى الازدهار والنمو أكثر، ويشمل التحفيز في أحد محاوره التدريب، فيتيح الفرصة للنمو في مجالات جديدة، يحفّز أيضاً العامل حيث يشعر بأنه يتم تقديره أكثر من قبل الشركة، وعندما يشعر بالرضا تزداد إنتاجيته.

ولتحقيق أقصى استفادة من التدريب الافتراضي لابد من توافر عدد من الاشتراطات؛ منها أن يكون لدى كل من المحاضر والمتدرب خلفية تقنية مناسبة للتعامل مع الأجهزة التقنية الحديثة المختلفة، وكذلك جودة الاتصال والتواصل من خلال منصات الاتصال المعروفة عالمياً، وكفاءة الخوادم للقيام بهذه المهمة، ويتطلب أيضاً تطوير قاعات التدريس وتجهيزها بأحدث الأساليب التقنية المتطورة، وتوفير أجهزة حاسب آلي والأجهزة اللوحية والطابعات وشاشات العرض، كما يحتاج التدريب الافتراضي كغيره من التجارب المستجدة والحديثة إلى دراسات تواكب التجديد؛ وذلك لمتابعة نشأة هذه التجارب في مراحلها المبكرة، وكذلك فاعلية البرامج المطبقة فيها، ومعرفة مدى تحقيقها للأهداف المرجوة، وصولاً إلى تقويم تلك التجربة، وقد يكون هذا الإجراء من أهم الإجراءات الفنية والمهنية التي تلازم تطبيق التجارب الحديثة ومنها التدريب الافتراضي.

وبنظرة دقيقة وبالرغم من حداثة التجربة، فنرصد أن التدريب الافتراضي قد عوّض جزءاً كبيراً مما تعوده المتدربون بشكل كبير من التدريب المباشر بكل ما يحتويه من قرب وسلاسة في الحصول الفوري على المعلومة، ومشاركة الخبرة بين الأقران والحضور الجسدي، وخلق بيئة تحاول محاكاة قطاعات العمل المختلفة، وعوّض جزءاً من الفاقد التعليمي الذي ستظهره ربما الدراسات المستقبلية.

وهنا نرصد بعض سلبيات نظام التدريب الافتراضي عن بُعد، على سبيل المثال التكلفة العالية للتدريب عن بُعد من بنية تحتية ذات تقنية عالية وأجهزة ذكية، كذلك عدم صلاحية التدريب عن بعد لبعض التخصصات والمجالات العملية كمجال الطب والهندسة والصيدلة؛ لما تتطلب تلك التخصصات من ضرورة التطبيق العملي لما يتم دراسته، كما تشكل فكرة عدم الالتزام وعدم إمكانية بعض الأفراد القيام بعملية الالتزام الذاتي معوقاً كبيراً لنجاح التدريب عن بُعد، فالتدريب التقليدي يمثل التزاماً بالحضور والمواظبة، ويمثل الوجود في مجموعات دراسية فرصة لتبادل الخبرات والثقافات أيضاً، ولكن التعليم عن بُعد قد يحرم المتدربين من هذه الميزة، بالرغم من تواصلهم عبر الشبكة العنكبوتية، إلا أن وجودهم الفعلي في نفس المكان أمر مختلف ينمي مهاراتهم المجتمعية، ويحثهم على المشاركة بشكل فعال.

كما يمثل التدريب عن بُعد في كثير من الأحيان إجهاداً للمتدربين؛ بسبب ما يقضيه المتدرب من وقت على الهواتف الذكية وغيرها؛ لمتابعة مواده التدريبية المختلفة.

وأخيراً، ومن التجارب الناجحة في هذا الصدد هو ما اتخذه الهلال الأحمر السعودي خلال جائحة كورونا عام 2020م من تفعيل تقنية التعليم عن بُعد لإعداد الدورات التدريبية والمحاضرات التوعوية للموظفين حول برنامج مكافحة العدوى والوقاية من جائحة كوفيد-19، فنظمت الهيئة عدداً من الدورات والمحاضرات التوعوية عن بُعد، استفاد منها أكثر من 7500 متدرب من بينهم 2800 متدرب من منسوبي الهيئة، وأكثر من 3000 متدرب من المتطوعين بالهيئة، و220 طالباً و1100 متدرب من منسوبي وزارة التعليم والصحة وعدد من القطاعات الأخرى.

وعالمياً، وفي استطلاع للرأي بعنوان “تقرير حالة العمل عن بُعد لعام 2019م في الولايات المتحدة الأمريكية”، أجرته مؤسسة “owl laps” ومركز “TalentLMS’s” الأمريكي، أشار التقرير إلى أن 38% من العاملين عن بُعد الذين شملهم الاستطلاع يخططون للعمل عن بُعد بشكل متكرر أكثر مما يفعلون حالياً على مدى السنوات الخمس المقبلة.

كما أوضح أن 15% من مديري الموظفين عن بُعد لم يتلقوا أي تدريب على كيفية إدارة فرقهم البعيدة. كما بلغ 87% من الموظفين عن بُعد الذين شملهم الاستطلاع أنهم يتلقون تدريبات منتظمة. و70% منهم يتلقون التدريب مباشرة من شركاتهم و17% المتبقية يجدون ويدفعون مقابل التدريب عبر الشبكة العنكبوتية. كما أفاد 90% من المستجيبين بإنجاز المزيد من العمل عند العمل عن بُعد، والتركيز على مهارات مثل التنظيم والتواصل وإدارة الوقت.

ونستنتج من تلك الأرقام أن التدريب عن بُعد يشهد نمواً كبيراً، وينتظر في السنوات القادمة أن يُحْدث طفرة رهيبة في حجم سوقه وأعداد المستفيدين منه.

وبشكل عام ولتحقيق أقصى استفادة من التدريب المهني والوظيفي الافتراضي في المملكة العربية السعودية لابد من تهيئة الظروف ليصبح التدريب عن بُعد قوياً وفعالاً، من خلال توفير التقنية بشكل أوسع في كل أرجاء المملكة وتطوير وتحديث الموجود بالفعل، والذي سيوفر على الدولة الكثير مثل إيجارات المؤسسات التدريبية ومصاريف التنقل واستهلاك الوقود وتخفيف الزحام المروري، كما ينبغي تهيئة الموظفين والكوادر السعودية لتصبح قادرة على إنجاح العملية التدريبية، وبالتالي لابد من تأهيل الموظفين على مثل هذا النوع من التدريب تأهيلاً توعوياً. كما يلزم توحيد الجهة المشرفة وعدم الازدواجية بين الجهات الحكومية سواء المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني أو المركز الوطني للتعليم الإلكتروني، وتحديث التشريعات والأنظمة لتتواءم مع متطلبات المرحلة، والاعتراف بشكل أكبر بالشهادات الممنوحة من الجهات التعليمية والتدريبية التي تقدم خدمات التدريب الافتراضي.

وبالنسبة لرواد الأعمال ومديري الشركات والمؤسسات في المملكة العربية السعودية في ظل تحولات نظام العمل وطبيعته مع تداعيات جائحة كوفيد-19 والاتجاه إلى العمل عن بُعد في كثير من الوظائف، يجب الإشارة إلى اختلاف قيادة فريق عن بُعد اختلافاً كبيراً عن القيادة التقليدية، مما يعني أن ملاك المؤسسات والمديرين في الإدارات العليا تحتاج إلى تدريب متخصص، وإذا كان هؤلاء المديرون أنفسهم يعملون أيضاً عن بُعد، فإن تدريب العمال عن بُعد بشكل صحيح يصبح أكثر أهمية. كما يحتاج أصحاب الأعمال عن بُعد إلى معرفة كيفية التواصل وتفويض المهام والتحقق من انتظام الموظفين الذين يعملون عن بُعد، وأن يكون تدريبهم على المهارات الرقمية؛ لمساعدتهم على الحفاظ على روابط قوية مع أعضاء فريقهم.

لمشاهدة المقال على مدونة آوان برجاء الضغط هنا