يشهد الاقتصادي العالمي حالياً واحدة من أسوأ الأزمات التي مر بها في التاريخ، وهي أزمة سلاسل التوريد والإمداد ، فالأسواق العالمية لم تهنأ بعد من تعافيها من التأثيرات السلبية لجائحة كوفيد-19، والتي تمثلت في القيود المفروضة على كافة مناحي الحياة، والإغلاقات المتكررة نتيجة موجات الإصابة المتتابعة، وتأخير الشحنات في الموانئ والمطارات، والتي تسببت في نقص مدخلات الإنتاج ولعل أزمة عجز الرقاقات الإلكترونية الدقيقة كانت مؤثرة بالسلب على الإنتاج الصناعي في العالم أجمع وخاصة صناعة السيارات.

ويبدو أن تلك الأزمة تشهد مزيداً من التأثر بإندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية، فالعديد من البلدان تعاني من  فجوة الأمن الغذائي، فمن المرجح أن تظل أسعار المواد الغذائية مرتفعة في المستقبل القريب، ومن المتوقع أن تدفع الأزمة ملايين الأشخاص الإضافيين إلى حالة انعدام الأمن الغذائي،  لذلك تعتبر الحرب الروسية – الأوكرانية بمثابة صدمة كبيرة لأسواق السلع العالمية، حيث كانت أسعار المواد الغذائية مرتفعة قبل الأزمة، وأدت الحرب إلى مزيد من الارتفاع كالقمح والذرة وزيوت الطعام والأسمدة، حيث تنتج روسيا وأوكرانيا معاً ما يقرب من ثلث صادرات القمح، و19% من صادرات الذرة، و80 % من زيت دوار الشمس عالمياً، ويتدفق كثير من ذلك عبر موانئ البحر الأسود – المغلقة حالياً – مما يؤدى إلى تعطل التجارة، وارتفاع أسعار الطاقة كالنفط والغاز،  ولعل من أكبر الآثار المدمرة هو صعوبة الوصول إلى الأسمدة من مصانعها إلى باقي البلدان، والتي قد تؤثر بالسلب على إنتاج الغذاء عبر العديد من المحاصيل في مناطق مختلفة بالعالم. 

أما عن تأثير أزمة سلاسل التوريد والامداد العالمية على السعودية، فقد تأثرت كغيرها من الدول فيما يتعلق بالسلع التي تستوردها من روسيا وأوكرانيا، خاصة بعد تطويرها لعلاقتها التجارية مع الدولتين في السنوات الأخيرة، فقد شهدت الفترة الأخيرة سعي السعودية إلى تعظيم علاقتها مع روسيا  في كافة المجالات خاصة في المجال الاقتصادي منذ عام2017م، حيث نما التبادل التجاري بنسبة 53.8% في عام 2021 م مقارنة 2016 م، وبهذا تحتل روسيا المرتبة (35) للدول التجارية مع السعودية، وبالمثل فقد شهدت العلاقات السعودية الأوكرانية نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، ولعل من أهم الأمثلة دخول الشركات السعودية المتخصصة في المجال الزراعي للسوق الأوكرانية للاستثمار وفق مسارات أهمها استئجار الأراضي لزراعة القمح والشعير والذرة وفول الصويا وبنجر السكر والبطاطس والبندورة، وقد نما التبادل التجاري بين البلدين في عام 2021م م بنحو 11.6% مقارنة بعام 2020م، وتحتل أوكرانيا المرتبة 50 من بين أهم الشركاء التجاريين للسعودية.

 وبنظرة فاحصة لحالة السلع في السوق المحلي بعد ثلاث شهور من اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية سنجد تأثيراً كبيراً في أسعار السلع الأساسية نتيجة للحرب ، ولو بدأنا بالقمح السلعة الاستراتيجية الهامة، فوفقاً لبيانات وزارة البيئة والمياه والزراعة، فإن حجم الإنتاج المحلي للقمح يلبي ما نسبته 17% من احتياج السوق المحلي، أما على صعيد واردات السعودية من القمح، فإن روسيا تأتي في المرتبة الثالثة من بين أهم مصدري القمح لها بنسبة 10.7%، وبالنسبة لأسعار القمح فقد شهدت الأسعار ارتفاعاً ملحوظاً مع بداية الأزمة فقد ارتفعت أسعار القمح في السوق العالمية حيث كان أخر تحديث بنهاية 10 أبريل 2022م مرتفعة بنسبته 134% مقارنة بشهر ديسمبر 2021م.

بالنسبة للشعير، فإن حجم الإنتاج المحلي للشعير يلبي ما نسبته6% من احتياج السوق المحلي، أما من ناحية تلبية واردات السعودية من الشعير فإن روسيا توفر ما نسبته 37% من احتياج السوق السعودي، وأوكرانيا10%، مما يعني أن سلعة الشعير تعتبر من السلع ذات المخاطر العالية حيث تستورد السعودية ما نسبته47% من احتياجها من روسيا وأوكرانيا، وهنا تأتي أهمية العمل على إيجاد أسواق بديلة للشعير الروسي والأوكراني.

بالنسبة للزيوت، فإن السعودية تستورد ما نسبته 86% من زيوت خام وغيره من دوار الشمس من روسيا وأوكرانيا، وقد أثرت الحرب الروسية – الأوكرانية عالمياً على سعر الزيت بشكل كبير، ولهذا فإن من المهم العمل على توفير أسواق جديدة لزيوت دوار الشمس من دول العالم وخاصة أمريكا الجنوبية وغيرها. 

أماعن الدجاج، فإن السعودية تحقق الاكتفاء الذاتي من الدجاج اللاحم بنسبة 68%، وتستورد بقية حاجتها من دول العالم وتأتي البرازيل في المرتبة الأولى بنسبة 23%، وفرنسا 5% وتستورد من أوكرانيا وروسيا كمية من لحم الدواجن بنسبة لا تتعدى ال 3.3% للدولتين مجتمعتين، وهذا يعني أن نسبة تأثر السعودية من الأزمة في سلعة الدواجن تعد بسيطة، ولكن التحدي يكمن في توفير أعلاف الدواجن، وآلية تقليل آثار ارتفاع أسعار الأعلاف على السوق المحلي.

 ولو انتقلنا إلى القطاع الخاص السعودي سنجد أنه وبسبب الحرب يعاني عدداً من التحديات أبرزها أزمة الشحن ومن مؤشرات تلك الأزمة قلة شركات الشحن التي تعمل في المجال البحري وارتفاع تكاليف التأمين وانعدامها محلياً مما يؤثر على قدرة الشحن لها، أو العمل على إيجاد شركات عالمية مرتفعة التكلفة، إضافة إلى قلة مناطق الإيداع في موانئها وارتفاع تكاليف الوقود نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة عالمياً، وقلة حاويات الشحن وتأخر وصول الشحنات للسوق المحلي بسبب القيود العالمية لرغبة العديد من الدول في توفير السلع لمواطنيها خوفاً من امتداد زمن الأزمة.

أما التحدي الثاني هو ارتفاع أسعار السلع الأساسية كالقمح والشعير والأعلاف والزيوت، وكذلك السلع الأخرى كالنحاس وأشباه المواصلات وغيرها من السلع التي تصدرها روسيا إلى السوق العالمي، وهذا الارتفاع يضعف من قدرة القطاع الخاص على توفير السلع بذاته وقدراته دون وجود دعم حكومي لأنشطته، بسبب عدم اليقين بانتهاء الأزمة، وتوجهات الأسعار مستقبلاً، والتحدي الثالث وهو عدم ضمان وفرة السلع مع التحديات الحالية وعدم القدرة على التنبؤ بالوضع المستقبلي، والذي قد يؤدي لتخوف القطاع الخاص وعزوفه عن التعاقدات الجديدة لاستيراد السلع الغذائية الأساسية، في حال عدم وجود برامج دعم حكومية.

وبالنسبة للتحدي الرابع هو ارتفاع تكاليف الإنتاج من قبل الحرب الروسية – الأوكرانية بسبب ارتفاع تكاليف المواد الأولية اللازمة للإنتاج كالأسمدة وغيرها، وقلة الأيدي العاملة وارتفاع تكاليفها بسبب رسوم العمالة الوافدة، بالإضافة لعدم القدرة على زيادة صلاحية المنتجات والتأخر بالموافقات على ذلك، كذلك صعوبة الحصول على الموافقات لزيادة الإنتاج الزراعي للسلع وخاصة القمح وغيرها، وشح المواد الخام في صناعة الأعلاف الامر الذي يضعف من قدرة القطاع الخاص على تحقيق الاكتفاء الذاتي من اللحوم والدواجن.

الآن ومع تنامي نتائج وتداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية بالإضافة إلى ضبابية الرؤية حول موعد انتهاء الحرب، وفي ظل الجهود المبذولة من قبل الحكومة السعودية في تجنيب مواطنيها آثار الحرب، فإن هناك عدد من المقترحات التي قد تساعد لعبور تلك الأزمة بسلام ولعل من أبرزها هو تشكيل إدارة أزمة وطنية وقطاعية تضم جميع الجهات الحكومية المعنية واتحاد الغرف السعودية للتعامل الجماعي مع أزمة سلاسل التوريد و الامداد الغذائي والسلع الأخرى بما يضمن تحاشي آثارها أو التقليل منها، وتعزيز ودعم ميزانية برامج صندوق التنمية الزراعي في استيراد السلع الأساسية، مع تحمل رسوم التكاليف الحكومية.

أما المقترح الثاني هو مراجعة ضريبة القيمة المضافة المفروضة على جميع السلع في السعودية دون تمييز لأنواع السلع )ضرورية – أساسية – كمالية – معمرة – رفاهية … إلخ(، وضرورة خفض نسبة الضريبة من 15% لتصبح 5%، والمقترح الثالث هو تحديد مؤشرات مراقبة المخزون ومستويات الإمداد الأمنة في السعودية، من خلال متابعة السلع المصدرة من بلد المنشأ حتى وصولها للسوق المحلي، ومتابعة مستويات المخزون لدى القطاع الخاص ومراجعة سياسات الزراعة للسلع الأساسية كالقمح، والسماح لبدء الحصول على نسبة عالية من الاكتفاء الذاتي، وإيجاد برامج ومبادرات  لدعم التقنيات الحديثة في الزراعة والتي تقلل من الهدر في الموارد الطبيعية، وتزيد من جودة المنتجات، ومراجعة أجور الموانئ، ورفع القدرة التشغيلية لها بما يسهم في سرعة دخول السلع إلى السعودية.

ولعلي أختم هذا المقال بالتأكيد على ضرورة الاستفادة من مراكز الأبحاث والدراسات والفكر الاستراتيجي المحلية والإقليمية والعالمية في وصف واستشراف أعمق لمآلات الأزمة، ومن ثم توعية المجتمع بأدواره المطلوبة منه في التعامل مع تحديات الأزمة والآثار المترتبة عليها.

لمشاهدة المقال على الموقع الالكتروني لصحيفة الفا بيتا برجاء الضغط هنـــــا