يعد الـ 25 من أبريل لعام 2016م يوماً فارقاً في تاريخ المملكة العربية السعودية، وهو اليوم الذي أعلن فيه سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إطلاق “رؤية المملكة 2030″، وهي خطة ما بعد النفط للمملكة، وذلك لكسر الاعتماد الاقتصادي على النفط، وتنويع مصادر الدخل، وتنمية رأس المال البشري.

وتعتمد تلك الرؤية على 3 محاور؛ حيث يمثل المحور الأول المجتمع الحيوي، الذي يعتبر أساساً لتحقيق الرؤية، وتأسيس قاعدة صلبة للازدهار الاقتصادي. بينما يمثل المحور الثاني الاقتصاد المزدهر، بالتركيز على توفير الفرص للجميع عبر بناء منظومة تعليمية مرتبطة بالاحتياجات المستقبلية لسوق العمل، وتنمية الفرص للجميع من رواد الأعمال والمنشآت الصغيرة إلى الشركات الكبرى. ويمثل المحور الثالث الوطن الطموح، بتهيئة البيئة اللازمة للمواطنين وقطاع الأعمال والقطاع غير الربحي لتحمل مسؤولياتهم وأخذ زمام المبادرة في مواجهة التحديّات واقتناص الفرص، كما تشمل الرؤية العديد من البرامج لتحقيق الأهداف الاستراتيجية الـ96 للرؤية، ويشترك في تحقيقها كل من القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي.

اليوم وبعد مرور ما يزيد على 5 أعوام على إطلاق رؤية 2030، يمكن أن نضع الرؤية في ميزان محايد، ونقف على ما تم إنجازه منها في هذا المقال، وعن الآثار في المجالات الاقتصادية والاجتماعية في المملكة، يأتي ذلك مع بروز تقدم محقق لاسيما على صعيد مكتسبات استراتيجية رئيسية، واستمرار المشروعات العملاقة، ونضوج توجهات السياسات الاقتصادية العامة، في فترة هي الأكثر صعوبة على الاقتصاد السعودي بعد انهيار أسعار النفط عالمياً في عام 2014م، وما تلاها من تقلبات في أسعاره، وأزمة كورونا التي ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي، والتي جعلت مستويات أسعار النفط مقاربة لعام 2014م.

البُعد الأول من أبعاد رؤية 2030، المجتمع الحيوي؛ من أجل الوصول لمجتمع عال الجودة يمثل نموذجاً للبشرية في كيفية بناء الأوطان. ففي ملف الإسكان تم إطلاق برنامج الإسكان لعام 2018م يهدف لخلق بيئة حيوية للأسر السعودية وللمجتمع ككل، وتوفير المزيد من الخيارات التمويلية للأسر السعودية عند تملُّك السكن الأول؛ فزادت نسبة تملك السعوديين للمنازل من 47% لعام 2016م إلى 60% في أواخر عام 2020م، كما تحمّلت الدولة ضريبة التصرفات العقارية حتى مليون ريال سعودي بالنسبة للسكن الأول، وأصبح بالإمكان الحصول على دعم سكني فوراً بعد أن كانت تصل مدة الانتظار إلى 15 عاماً. 

وبحسب الخطط المستقبلية للرؤية من المتوقع أن تصل نسبة تملك الأسر السعودية إلى نسبة تملك 70% بحلول عام 2030م، من خلال توفير 40 ألف وحدة سكنية تنموية لدعم الأسر الأشد حاجة، وإضافة 355 ألف عقد تمويلي جديد؛ بهدف استمرارية تقديم عقود التمويل العقاري المدعوم بنهاية عام 2025م، إضافة إلى زيادة 38 ألف فرصة وظيفية مباشرة للسعوديين، وإضافة 157 مليار ريال للمساهمة في رفع الناتج المحلي الإجمالي. 

وفي ملف القطاع الصحي، فقد تم إطلاق 10 تجمعات صحية في مختلف أنحاء المملكة تغطي 13 مليون نسمة في نهاية عام 2020م، وتيسير الحصول على الخدمات الصحية إلكترونياً لجميع سكان المملكة؛ من خلال إطلاق عدد من التطبيقات والمنصات الرقمية كتطبيقات: “توكلنا” – “صحة” – “موعد” – “صحتي”… وارتفع عدد المعالَجين في الداخل إلى 65%، كما زادت نسبة الحصول على الخدمات الصحية الطارئة للمريض منذ دخوله إلى الطوارئ حتى خروجه 87%، وانخفضت معدل وفيات حوادث الطرق من 28.8 وفاة لكل 100 ألف نسمة إلى 13.5 وفاة لكل 100 ألف نسمة لعام 2020م. ولعل من أبرز نتائج تلك الطفرة في الرعاية الصحية نجاح المملكة في مواجهة جائحة كورنا العالمية -بفضل الله-، وكانت من أوائل الدول التي أطلقت يوم 17 ديسمبر لعام 2020م حملة تطعيم جماعي لسكان المملكة ضد عدوى فيروس كورونا بلقاح طورته شركتا “فايزر” الأمريكية و”بيونتيك” الألمانية، لتعتمد لاحقاً كذلك لقاح شركة “أسترازينيكا” البريطانية-السويدية.

أي مجتمع عالي الجودة لابد أن يعيش فيه الإنسان في بيئة صحية مناسبة، فالسعي إلى تنمية بيئية مستدامة كان من أهم أهداف الرؤية، ولذلك جاء إنشاء صندوق البيئة بهدف توفير الاستدامة المالية لقطاع البيئة، ثم جاء عام 2018م الذي تم فيه إنشاء 7 محميات طبيعية تمثل 13.7% من مساحة المملكة، كما أسهمت المبادرات البيئية في تقليل انبعاثات ثاني اكسيد الكربون في المملكة بلغ 28 مليون طن سنوياً، ومن الجدير بالذكر أنه خلال ترؤس المملكة العربية السعودية لمجموعة العشرين تم إطلاق مبادرتين عالميتين للبيئة؛ وهما مبادرة الحد من تدهور الأراضي ومبادرة المنصة العالمية لتعزيز حماية الشعب المرجانية.

ومن أهم الجهود أيضاً زيادة المسطحات الخضراء في المملكة؛ حيث بلغ نصيب الفرد من الأماكن والمسطحات العامة إلى ما يقارب 4 م2 لعام 2020م. كما احتلت المملكة المركز الأول عالمياً في تحلية مياه البحار بمعدل 5.9 مليون م3 يومياً لعام 2020م، وعلى الرغم من كل هذه الجهود المميزة، إلا أن هناك حاجة إلى المزيد من الحزم للاستنزاف الحاد القائم على الموارد الطبيعية، والعمل على إيجاد مصادر طاقة جديدة، والتخفيف من استهلاك المصادر غير المتجددة المتاحة حالياً، فمع زيادة محطات تحلية مياه البحار ومحطات توليد الكهرباء ازدادت نسبة ثاني أكسيد الكبريت وأكسيد النتروجين، ومع توقُّع بزيادة عدد سكان المملكة إلى 38 مليون نسمة لعام 2030م سيزداد الطلب بشدة على الموارد الطبيعية، وزيادة النفايات الصلبة، مما يشكل تهديداً للنظام البيئي السعودي.

المحور الاقتصادي هو حياة الناس، وعلى مدار عقود طويلة كان القطاع النفطي هو قاطرة التنمية في المملكة، وكان له دور إيجابي في التنمية الاقتصادية، وتنفيذ السياسات العامة وزيادة الرفاهية للأفراد والدولة ككل، ولكن في العقد الماضي ارتبط هذا القطاع بتقلبات شديدة؛ فبعد أن جاوز 120 دولاراً انخفض بوتيرة متسارعة إلى ما دون 35 دولاراً، بالإضافة إلى زيادة الطلب على مصادر الطاقة المتجددة، وحصتها المتزايدة من الاستثمارات الجديدة، الأمر الذي جعل الوكالة الدولية للطاقة ترى أن الطاقة الشمسية ستصبح أكبر مصدر منفرد للطاقة الكهربائية بحلول عام 2030.

كل تلك العوامل سرَّعت من عملية التحول الاقتصادي وتنويع الموارد الاقتصادية، فرؤية 2030 هدفت إلى توليد اقتصاد متين قادر على تحدي الصدمات والتحديات العالمية، ويبدو أن عملية التنويع الاقتصادي قد آتت ثمارها، فالأرقام تشير إلى ارتفاع كبير في الإيرادات غير النفطية عام 2020م، حيث وصلت إلى 369 مليار ريال بالمقارنة بـ166 مليار ريال عام 2016م، كما ارتفعت نسبة الناتج المحلى غير النفطي من الناتج المحلي الإجمالي إلى 59%، حيث كانت 55% عام 2016م.

كما شهد الاستثمار الأجنبي المباشر طفرة هائلة؛ حيث بلغت قيمته 17.625 مليار ريال، بينما كان 5.321 مليار ريال قبل تطبيق الرؤية، وبلغ عدد المصانع 9.984 مصنعاً، بعد أن كان 7.200 مصنع عام 2016م. فهذه الأرقام هي مؤشرات حقيقية لتطور ونمو غير مسبوق حدث في القطاعات غير النفطية في الاقتصاد السعودي.

كما شهدت السنوات الـ5 الماضية صعود أصول صندوق الاستثمارات العامة بأكثر من 150% إلى 1.5 تريليون ريال 2020م، محققاً المستهدف لعام 2020م، فيما كانت أصوله 570 مليار ريال بنهاية 2015م أي ما قبل الرؤية، وفي هذا الإطار لا يمكن أن نغفل الحدث الكبير الذي ترقبته الأسواق العالمية في عام 2019م، وهو نجاح الطرح الأولي لعملاق النفط السعودي شركة أرامكو بقيمة تجاوزت 110 مليارات ريال وبنسبة 1.5 من أسهم الشركة، تجاوزت خلالها القيمة السوقية للشركة (2) تريليوني دولار، وقد أسهم الاكتتاب في جعل السوق المالية السعودية “تداول” أحد أكبر الأسواق المالية حول العالم.

كما بلغت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي 51%، بعد أن كان حجم مساهمته 40% عام 2016م، واستطاع القطاع الخاص أن يغادر الأنشطة التقليدية ويذهب إلى استثمارات نوعية ذات تقنية عالية، سواءً كانت في الصناعة وتقنية المعلومات والخدمات، وأن هذه القطاعات تحتاج إلى رأس مال بشري عالٍ، وهذا ما تحقق من خلال قيادة السعوديين لأكبر الشركات التي تُنافس عالمياً، فضلاً عن تحسّن وتقدُّم كفاءة سوق العمل 13 مرتبة في المؤشرات الدولية خلال عام واحد.

أما عن الاستثمارات الأجنبية؛ فقد جذبت المملكة استثمارات أجنبية بنحو 862 مليار ريال خلال 5 أعوام من تطبيق الرؤية، لتبلغ قيمتها نحو 2.01 تريليون ريال بنهاية عام 2020م، مقابل نحو 1.14 تريليون ريال بنهاية 2015م قبل الرؤية، كان نصيب الاستثمارات الأجنبية المباشرة منها خلال الأعوام الـ5 الماضية نحو 66.8 مليار ريال، ليبلغ مجموعها 907 مليارات ريال بنهاية عام 2020م، مقابل 840.2 مليار ريال بنهاية 2015م قبل الرؤية.

لمشاهدة المقال على مدونة أوان برجاء الضغط هنا